RABATTODAYالرئيسيةالرباط اليوم

هل تتوفر الرباط على مقومات عاصمة سياسية وإدارية للمغرب؟

الرباط اليوم
أشارت بعض كتب المؤرخين المغاربة إلى أن السلطان يعقوب المنصور الموحدي أبدى ندمه، وهو على فراش الموت، على بعض قراراته السالفة، والتي التي كان من بينها: إدخال الأعراب إلى المغرب، مع ما استتبع ذلك من تخريب للأراضي الفلاحية، وبناؤه لمدينة الرباط، وهي مدينة “لن تعمر” على حد قوله.

ونتيجة لذلك فقد بقيت هذه المدينة حاضرة مهجورة ومهملة حتى انتشلها الماريشال ليوطي، وهو أول مقيم عام للمغرب المحتل، من براثن النسيان، حين جعل منها عاصمة للبلاد؛ وذلك لعدة أسباب، كان من أهمها: محاولة تهميش مدينة فاس برصيدها التاريخي وشرعيتها الرمزية، والتي كانت تمور بكل أشكال الاحتجاج والمعارضة السياسية التي كانت تتزعمها الحركة الوطنية، وإبعاد السلطان عن التأثيرات السياسية لهذه المدينة، بالإضافة إلى قرب هذه الحاضرة من الدار البيضاء، التي جعل منها ليوطي الرافعة الاقتصادية للبلاد.

وتم استقدام السلطان مولاي يوسف إلى الرباط، حيث تم اختيار منطقة تواركة لبناء مقر السلطان بكل مرافقه المخزنية، من مشور ومسجد وحدائق (أكدال)، وبنيقات أعوان السلطان وغيرها. كما عمل الماريشال ليوطي على تكليف معمارييه ببناء مختلف الإدارات المركزية المدنية والعسكرية والقضائية التي كانت سلطات الحماية في حاجة إليها بالقرب من مقر السلطان لتسهيل التعامل معه من جهة، والإشراف على عمل السلطة المخزنية من جهة أخرى.

وأدى هذا الوضع إلى استقدام شرائح من الأطر والأعوان للاشتغال في مختلف دواليب هذه المؤسسات، إذ استقر الأطر الذين كان جلهم من الفرنسيين والأجانب في الشقق العصرية التي بنيت في وسط ما سمي المدينة الجديدة بالرباط، في حين بقي الأعوان والموظفون الصغار من المغاربة مستقرين وراء أسوار المدينة العتيقة أو في بعض الأحياء الشعبية المحاذية لها.

IMG_7618

وتكرس وضع المدينة كعاصمة سياسية وإدارية للبلاد بعد الاستقلال، إذ توسعت من خلال تحول إدارات الحماية المركزية إلى وزارات، وتفرعها إلى عدة مديريات ومصالح جهوية وإقليمية، وبناء العديد من السفارات بملحقاتها القنصلية والثقافية، وخلق مجموعة من المؤسسات العسكرية والمكاتب والشركات الوطنية، بالإضافة إلى المستشفيات الصحية والجامعات، وباقي المرافق الإدارية الأخرى، ما جعل هذا المد الإداري يكتسح المدينة، ليتغلغل في مختلف أحيائها، سواء في حي أكدال، أو في حي حسان أو في حي يعقوب المنصور، ليصل إلى حي الرياض، الذي تحول بدوره إلى حي إداري جديد.

لكن رغم هذا التوسع الذي شمل مدينة الرباط، فهناك تساؤل يبقى مطروحا حول إلى أي حد تمتلك هذه المدينة، على غرار باقي عواصم الدول الأخرى، مقومات عاصمة سياسية؟، بل وحتى مقومات عاصمة إدارية؟.

افتقاد الرباط لمقومات العاصمة السياسية

من المعروف أن اختطاط العواصم في جل البلدان يتم عادة وفقا لاعتبارات جغرافية وسياسية وتاريخية، إذ عادة ما يتم اختيار أو بناء العواصم، نظرا لموقعها الإستراتيجي ومقوماتها الطبيعية والبشرية، وفي الغالب يتم تفضيل المدن التي توجد في موقع يتوسط البلاد وتتمتع بظروف مناخية وطبيعية ملائمة، كمدريد وروما وموسكو..واعتبارات تاريخية وسياسية، إذ تكون هذه المدينة بمثابة خزان وطني للأحداث السياسية والتاريخية التي عرفتها البلاد.

فجل العواصم في الدول العريقة عادة ما تحتفظ بعاصمة سياسية قديمة وتاريخية، فالقاهرة أو دمشق أو بغداد، أو موسكو، أو مدريد، أو باريس، أو بكين أو وغيرها، كلها مدن عريقة في القدم، بقيت عواصم سياسية لهذه البلدان رغم كل التطورات والأحداث السياسية التي عرفتها هذه البلدان من احتلالات، وتغير في سلالات الأنظمة الحاكمة، ودمار بسبب كوارث طبيعية أو بسبب الحروب.

في حين أن مدينة الرباط التي تم اختيارها كمدينة إدارية من طرف ماريشال فرنسي تحولت إلى عاصمة سياسية رغم افتقادها مختلف الاعتبارات المذكورة سالفا. فهي لا تتوسط البلاد مقارنة بمراكش، أو حتى تادلا، كما أنها لا تتمتع بالرصيد الرمزي والتاريخي والعلمي والسياسي الذي تتمتع به كل من مدينة فاس، التي شكلت عبر التاريخ السياسي العاصمة السياسية للبلاد، سواء في عهد الأدارسة، أو في عهد المرينيين أو العلويين، في وقت شكلت مراكش العاصمة الرسمية للمرابطين والموحدين والسعديين.

بالإضافة إلى ذلك فبخلاف الدول المعاصرة التي تعتبر فيها العاصمة مقرا رئيسيا وقارا للحكم، فالكرملين في موسكو يعتبر مقر رئيس الجمهورية الروسية، وقصر الإليزيه في باريس هو مقر رئيس الجمهورية الفرنسية، وقصر بيرنجهام هو المقر الرئيسي للملكة إليزابيث، والمرادية هو مقر الرئيس الجزائري … في حين أن القصر الملكي بالرباط لا يشكل إلا إحدى المقرات الرئيسية للملك. فالملك، بحاشيته ومعاونيه…هو في تنقل دائم بين مختلف قصوره وإقاماته بربوع المملكة، الشيء الذي يجرد الرباط من الطابع السياسي الذي يميز أي عاصمة سياسية.

فالعاصمة السياسية للمملكة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني كانت تتنقل بتنقل هذا الملك من فاس أو مراكش، أومن إفران إلى الصخيرات أو بوزنيقة، فهو كان لا يستقر في الرباط بشكل رسمي إلا في بعض المناسبات الدينية، كرمضان وعيد الأضحى، أو في بعض الاحتفالات الوطنية كعيد العرش؛ في حين أصبحت العاصمة المخزنية تتنقل بتنقل الملك محمد السادس بين كل من أكادير، وتطوان وطنجة، ومراكش والدار البيضاء، المدن التي يفضل الملك إقامته بها.

أضف إلى ذلك الزيارات المتعددة التي يقوم بها الملك إلى مختلف أقاليم المملكة منذ توليه الحكم، الشيء الذي جعله لا يستقر في الرباط إلا في مناسبات معينة. مما زاد من إفقاد هذه المدينة خاصيتها السياسية، وأدى إلى إطلاق عدة إشاعات حول تفكير الملك في نقل عاصمة ملكه إلى مراكش أو الدار البيضاء.

وكيفما كانت صحة أو عدم صحة هذه الإشاعات، فمن الضروري التفكير الجدي في ترسيخ الخاصية السياسية لهذه المدينة، من خلال إعادة هيكلة محيطها المعماري بشكل يؤكد المقومات المعمارية والهندسية التي تتطلبها العاصمة السياسية للمملكة.

فبعيد الاستقلال، تميزت الرباط من الناحية التنظيمية والهندسية بضمها مختلف مقرات الوزارات التي تم خلقها في هذه الفترة، وتشييد مقر البرلمان الذي توسط شارع محمد الخامس، بالإضافة إلى بناء مقر الأركان العليا للقوات المسلحة، وبناء مقرات المحاكم العليا للمملكة، في حين تم تخصيص حي خاص للسفارات المعتمدة في البلاد بجوار مقر وزارة الشؤون الخارجية والتعاون، كما تم خلق مدينة العرفان لتضم مختلف الجامعات والمدارس العليا في البلاد…

لكن مع توسع مدينة الرباط وتطور النظام السياسي في البلد، أصبح من الضروري وضع تصور جديد لهذه العاصمة، يأخذ بعين الاعتبار اتساع حجم المدينة، لا من الناحية السكانية أو الاقتصادية أو الإدارية، إذ كان من الممكن قبل أن يرخص لبناء مقرات سكنية أو إدارية في حي الرياض أن تتخذ هذه المنطقة لإقامة مدينة سياسية مصغرة تضم كل المؤسسات السياسية في البلاد، من برلمان بغرفتيه، والوزارة الأولى بمختلف دواليبها ومرافقها، وكذا مقرات كل الوزارات، والمؤسسات القضائية العليا في المملكة، من مجلس أعلى ومجلس دستوري، والمجالس الوطنية العليا للتعليم والقضاء والوظيفة العمومية والتخطيط وغيرها، في حين يتم تخصيص منطقة خاصة لتضم مختلف المؤسسات العسكرية العليا في البلاد، كالهيئة العليا للأركان وغيرها؛ بحيث تشكل مدينة للمؤسسات السياسية في مقابل مدينة العرفان، وحي السفارات، بدل أن يصبح حي الرياض منطقة لسكن بعض الموظفين ومقرات بعض الإدارات.

لكن إذا ما تم تدارك الأمر، فيمكن أن يتم إعادة هيكلة العاصمة السياسية وفق تصور يقوم على تقسيم المدينة وفق اعتبارات وظيفية، إذ يمكن أن تقسم العاصمة على المستوى المعماري إلى تجمعات كبرى مـتخصصة، بحيث يكون هناك تجمع يضم مختلف المؤسسات السياسية للمملكة، في مقابل تجمعات تضم المؤسسات الإدارية، وأخرى تضم المؤسسات القضائية، إلى جانب الاحتفاظ بمدينة العرفان كتجمع للمؤسسات التعليمية والتكوينية، وتجمع للمؤسسات الطبية، إلى جانب خلق تجمع لمدينة رياضية وهكذا.

أما في ما يخص التجمعات الترفيهية، فمشروع أبي رقراق يمكن أن يفي بهذا الغرض؛ بل إن هذا المشروع يمكن أن يشكل النبراس المحفز لتحقيق التصور سالف الذكر، وذلك من خلال نقل كل مقرات المؤسسات السياسية إلى حي الرياض، كالبرلمان والوزارة الأولى، والوزارات المختلفة، والهيئات القضائية والدستورية العليا والمجالس الاستشارية وغيرها.

افتقاد الرباط لمقومات العاصمة الإدارية

رغم غلبة الطابع الإداري على الرباط، إلا أنها تفتقد مقومات العاصمة الإدارية، نظرا لاختلاط معمارها الإداري، إذ من يتمعن جيدا في الهندسة الإدارية يلاحظ بشكل جلي التشتت في مقراتها الإدارية، إذ تجد أن المديريات التابعة لوزارة ما متفرقة على أنحاء المدينة، فجزء منها يوجد في حي الوزارات، والجزء الآخر يوجد في حي أكدال أو حسان، والجزء الآخر يتواجد في حي الرياض، مما يصعب مهمة اشتغال الموظفين التابعين للوزارة نفسها، كما يزيد من عناء المتعاملين معها، إذ يضطر المواطن إلى أن يتنقل بين عدة أحياء ومناطق لقضاء غرض إداري، ما يكلفه ذلك من عناء ومصاريف ووقت.

وإلى جانب هذا التشتت الإداري، تعرف هذه المدينة الإدارية تداخلا بين الإدارات، إذ توجد الإدارات المدنية قرب الإدارات العسكرية، وتتواجد هذه الإدارات سواء المدنية أو العسكرية في قلب تجمعات سكنية، بل في بعض الأحيان غالبا ما تحول المحلات السكنية إلى مقرات إدارية، رغم أنها تفتقد كل مواصفات البناية الإدارية.

ولعل هذا الوضع هو ما حمل على التفكير في تجميع مصالح بعض الوزارات، أو نقل بعضها إلى حي الرياض.

غير أن مثل هذه الإجراءات عادة ما تعترضها عدة صعوبات، تتمثل في تشبث كل مسؤول بالبقاء قرب وزيره أو قرب مديره، لاعتقاده أن ذلك سيفوت عليه فرص الترقي، أو امتناع كل وزارة أو مديرية أو مؤسسة من استبدال أو تسليم مقراتها لوزارة أو مديرية أخرى، باعتبار أن ذلك يدخل ضمن أملاكها ومكتسباتها الخاصة، بالإضافة إلى أن الطابع الأفقي الذي يميز جل البنايات الإدارية يجعلها تشغل حيزا كبيرا من مساحة المدينة.

لذا من الضروري، لتكريس الطابع الإداري للمدينة وفق المعايير المعاصرة، أن يتم في البداية تجميع الوحدات التابعة لوزارة معينة في حيز مجالي مشترك، من خلال عملية تبادل الوزارات لبناياتها بشكل يخلق شبه تجمعات وظيفية ومتخصصة. ويمكن أن يتم تجميع كل المديريات التابعة لوزارة ما في منطقة معينة، بعد أن يتم بالطبع التقليص من عددها وعدد المصالح التابعة لها. كما يمكن أن يتم ترحيل البنايات العسكرية التي تتواجد وسط المدينة أو داخل الأحياء الإدارية إلى مناطق أخرى، يمكن أن تجمع فيها كل المؤسسات العسكرية حتى يسهل التواصل في ما بينها من جهة، وتنأى عن الاختلاط مع المؤسسات الإدارية المدنية بكل ما ينتج عن ذلك من تسريبات تهم الأمن العسكري والوطني بالبلاد.

وإذا ما تم هذا الترحيل، يمكن آنذاك أن يتم استغلال المساحة التي تشغلها هذه البنايات العسكرية لبناء مركبات إدارية ضخمة، يمكن أن تضم كل وزارة بمديرياتها ومختلف مرافقها الصحية والمطعمية، ومرائبها الخاصة بسيارات الدولة أو سيارات الموظفين.

آن الأوان للتفكير في تشييد بنايات إدارية عمودية، وذلك على غرار المواصفات المعمارية الجديدة التي يتم اللجوء فيها إلى تشييد مثل هذه البنايات الإدارية العصرية في دول كثيرة متقدمة أو نامية، نظرا لأنه ثبت أن هذه البنايات هي التي بإمكانها تجميع أكبر عدد من المصالح الإدارية دون أن تشغل حيزا مجاليا كبيرا، مما يساعد على تمركز الإدارات وتجميعها في منطقة مشتركة تسهل عملية التواصل الإداري من جهة، وتقريب الإدارة من المواطنين من جهة ثانية، والاقتصاد في نفقات التنقل بين المصالح من جهة ثالثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى