سري للغاية

هكذا أوصى محمد شكري

الرباط اليوم

منذ شهرين، احتفل محبو وأصدقاء الكاتب الراحل محمد شكري بذكراه في مناسبة مرور عقد على رحيله، من خلال “خيمة شكري” التي دأب على نصبها كل سنة “مهرجان ثويزا للثقافة الأمازيغية”. وتميّزت خيمة هذه السنة بالافتتاح الرسمي لـ”مؤسسة محمد شكري” التي طال انتظارها وشكلّت هاجساً لصاحب “الخبز الحافي” في أواخر عمره، تجلى في تحركاته واتصالاته الكثيرة من أجل إخراجها إلى النور، قبل أن ينال المرض الخبيث منه.

مع هذه المؤسسة التي ذاع خبر الاستعداد لإنشائها قبل رحيل شكري، أثير موضوع “وصية” كتبها ووقّع عليها قُبيل وفاته بحضور أصدقاء له، كانوا يشغلون مناصب حكومية، وقيل إن الكاتب من خلال هذه الوصية، أو بيان “مؤسسة شكري”، خوّل هؤلاء الأصدقاء مسؤولية إدارة إرثه الأدبي، متنازلاً عن حقوقه لصالح “المؤسسة”. وهذا ما أكده بعضهم وفنّده بعضٌ آخر.
بعد عشر سنوات، وبفضل مؤسسة مهرجان “ثويزا”، وُلدت “مؤسسة محمد شكري”. غير أنّ هذا، لم يمنع أصواتاً من المطالبة بالكشف عن مضمون “وصية” مكتوبة يقال أن الكاتب تلاها وهو طريح الفراش، على مسامع من اختارهم لرئاسة “المؤسسة” وتسييرها. فهل ثمة حقاً وصية مكتوبة تركها شكري بعد رحيله؟ إن كان الأمر صحيحاً، فماذا تقول هذه الوصية؟ وما هي المصلحة من وراء إخفائها؟ وهل يُقرُّ القانون المدني المغربي المتعلق بالإرث بهذا النوع من الوصايا؟

حول الوصية “المغدورة”
صحيفة “المساء” المغربية نشرت مقالاً لعبد الواحد المهتاني يتناول فيه حديث الكاتب الألماني ألفريد هكنسبرغر عن موضوع هذه الوصية، وكيف بدأ هذا الحديث يأخذ طابع “المؤامرة”. وكان هكنسبرغر قد كتب مقالاً تُرجم إلى اللغة العربية ونُشر في موقع “القنطرة” بتاريخ 26/ 7/ 2010، تحت عنوان “الإرث الأدبي للكاتب المغربي محمد شكري: مسيرة أدبية في زمن الأخطاء”، سلّط فيه الضوء، حسب المهتاني، على موضوع “وصية” لا يعرف أحدٌ من أصدقاء شكري المقربين، ولا حتى مدبرة بيته فتحية، شيئاً عنها؛ متهماً أسماء وازنة في المشهد الثقافي المغربي كانت مقربة من شكري، بطمسها، ومعتبراً “أن الدولة المغربية أضاعت فرصة الحفاظ على إرث أحد أشهر كتّاب المغرب”. غير أن هذا الكاتب لا يرتكز في قوله هذا سوى على حديث دار بين شكري ووكيل أعماله، وكذلك بعض أصدقائه، حول فكرة مشروع مؤسسة تحمل اسمه وتعنى بإرثه الأدبي بعد رحيله، وحول إن كانت هذه المؤسسة ستكون في أوروبا أم في المغرب. وحسب وكيل أعماله، اختار شكري أن يكون المشروع في المغرب.
لم يتوقف هكنسبرغر عند هذا الحد في مقاله، بل أضاف بأسلوب المُتيقِّن مما يقول: “جلس العديد من الأصدقاء عند محمد شكري، في غرفته بالمستشفى عشية وفاته، وكان يومها يمازحهم، كما كان متفائلاً للغاية، حيث كان يعتقد أنَّه قد رتّب أهم الأمور، ألا وهي الحفاظ على مكانةٍ لأدبه بعد موته. إذ كان بحوزته بيانٌ موثقٌ لوصيته الأخيرة، يَنُصُّ على نقل ملكية إرثه كاملاً لصالح مؤسسة. وكان من المفترض أن تُدار هذه المؤسسة بشكلٍ مشتركٍ من قِبَلِ خمسة رؤساء، هم: محمد الأشعري، وزير الثقافة الأسبق، وحسن أوريد، الناطق الرسمي باسم القصر الملكي سابقاً، وحسـن نجمي، ومحمد برادة، وهما رئيسان سابقان لـ”اتحاد كتاب المغرب”، وأيضًا عبد الحميد عقار، الأستاذ الجامعي ورئيس “اتحاد كتاب المغرب” في فترةٍ لاحقة. غير أن هذه الوصية لم يظهر لها أي أثر بعد ذلك.
روبرتو دي هولندا، وهو وكيل أعمال محمد شكري وصديقه الحميم، قال إنه اتصل بحسن نجمي ومحمد الأشعري بخصوص موضوع الوصية، وأكّد أنه لم يتوصل معهما إلى أي توضيحات، واعتبر أنه لو كان شكري قد أوصى بإرثه الأدبي لجامعة أوروبية أو أميركية ء كما اقترح عليه ء لكان الواقع مختلفاً بشكل كبير، وأفضل بكثير؛ قبل أن يضيف أن الأمر “يعتبر انتهاكاً لوصية الإنسان الأخيرة”.

هل هناك وصية؟
قبل مرور سنة على رحيل شكري، اقتحم أحد أفراد عائلته شقته في طنجة، التي كانت السلطات قد قامت بتشميعها إلى حين اتخاذ قرار بمصير تركة “الشحرور الأبيض”. وهذا التشميع أثّر بشكل أو بآخر على مشروع مؤسسة يأتي إحداثها بناء على وصية لا شرعية لها قانونياً أمام حق الورثة في الإرث. إذ إن هذا القانون المغربي يحيط حق الملكية بحماية كبيرة، كواحد من أهم الحقوق العينية. لذا تولَّى المُشرّع تبيان نطاق الملكية، ووسائل حمايتها، وجرّم الاعتداء عليها، معتبراً أن “الوصية” قد تكون في أحيانٍ كثيرة وسيلة من وسائل الاعتداء على حق الملكية، الذي يُعتبر الإرث أحد طرق اكتسابها. لهذا، ظُنَّ أن ورثة محمد شكري غير معنيين بمشروع المؤسسة، وأن الوصية تحرمهم من حق الإرث، خاصة بعد عملية الاقتحام التي طالت شقته.
مليكة شكير، شقيقة محمد شكري التي لم تقاطعه، ولم تكف عن زيارته في طنجة، في الوقت الذي قاطعه شقيقه عبد العزيز وشقيقته ارحيمو بسبب “الخبز الحافي” الذي كشف عن عورة والده، وعن أسرار عائلته؛ طالبت أكثر من مرة، بتفعيل وصية الراحل، مستفسرة عن سبب تأخرها، ما يفنّد فرضية تعارض “الوصية” مع مصالح الورثة.
الكاتب المسرحي الزبير بن بوشتى، صديق شكري الحميم الذي رافقه مع مدبرة منزله لزيارة منزل في المدينة القديمة من أجل شرائه خصيصاً لمشروع المؤسسة؛ أكّد لنا، حين سألناه عن الوصية المفقودة، أنه لم تكن هناك أي وصية، مشيراً إلى أن الراحل كان قد خط على ورقة أسماء بعض الشخصيات التي ستشرف على تسيير “مؤسسة محمد شكري”، وتتداول رئاستها في ما بينها.

مؤسسة محمد شكري
اليوم، خرجت مؤسسة محمد شكري إلى الوجود، بمبادرة من مؤسسة “مهرجان ثويزا”، وبدعم من “مجلس مدينة طنجة”، ورغم معارضة قوية من بعض الأعضاء المنتمين إلى “حزب العدالة والتنمية” الذين رأوا أن هذا الكاتب لا يُعتبر مفخرة للمدينة. وعلى بعد أمتار من مقر ولاية طنجة، اكتُريَتْ شقة للمؤسسة التي افتُتحت قبيل أسابيع، بحضور شخصيات أدبية وفنية وسياسية، من بينهم رئيس المؤسسة، الشاعر والإعلامي عبد اللطيف بنيحيى، والروائي المصري صنع الله إبراهيم، والناقد يحيى بن الوليد، والكاتب المسرحي الزبير بن بوشتى، ومترجمة أعمال شكري إلى الإسبانية، رجاء بومدين، والشاعران إدريس علوش ووداد بنموسي وآخرون.
وقد أُعلِن خلال الافتتاح أن المؤسسة بصدد الإعلان عن جائزة أدبية دولية في أدب الرواية، تحمل اسم الروائي محمد شكري، لتكون إحدى أهم الجوائز الأدبية على الصعيد الوطني المغربي. وسيكون صنع الله إبراهيم، أحد أعضاء لجنة تحكيم هذه الجائزة. وبذلك، يكون حلم “الشحرور الأبيض” قد تحقق. ومع أن وصيته تنصّ على أن يكون رئيس المؤسسة صديقاً له وممن أشار إلى أسمائهم وكيل أعماله، فإن رئيسها الحالي كان صديقاً حميماً للكاتب، ولا تقل أهميته الأدبية عمن تضمنت أسماؤهم تلك الوصية التي لم نر لها أثراً حتى الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى