أقلام وآراء

لم نعيد قراءة الكتب؟

الرباط اليوم
عبد الله زروال


كثير من القراء يكتفون بقراءة الكتاب مرة واحدة، ولا يزيدون على ذلك، ويعتبرون في ذلك القدر كفاية، وهذا هو المبدأ العام الشائع لدى جمهور القراء، لكن يحدث كثيرا أن يقرأ قارئ كتابا مرتين، وربما مرات؛ فيصرف، لذلك من جديد، وقتا إضافيا، وينفق عزما مثابرا، ويسخر جهدا سخيا، وربما يهيئ مزاجا رائقا.

ومن البديهي أن تكون بين القراءة الأولى والقراءة الثانية مسافة زمنية فاصلة؛ على أن هذه المسافة قد تقصر فلا تتعدى الساعات والأيام، وقد تطول لتصل إلى الشهور، بل والأعوام. وليس من الغريب في شيء أن يعيد قارئ قراءة كتاب إثر فراغه من القراءة الأولى، ولا من العجيب أن يقرأ قارئ كتابا وهو في مقتبل العمر، ليعيد قراءته بعد ما تقدمت به السن.

إن القراءة التالية تختلف عن القراءة الأولى في وجوه كثيرة، ومن ذلك طبعة الكتاب المقروء، فمن الطبعات المزيد المنقح، والدعامة المادية أي الورقية أو الإلكترونية، ونوع القراءة، إذ من هذه الأنواع الخطي، والانتقائي، ووتيرة القراءة، فقد تكون القراءة موصولة مسترسلة، وقد تكون متجزئة متقطعة، وإيقاعها أيضا، ذلك أن من القراء من يقرأ متمهلا متأنيا، ومنهم من يقرأ راكضا يطوي الصفحات، ويقفز على المقاطع والفقرات؛ هذا ناهيك عن التقنيات التي يتوسل بها المتمرسون بالقراءة الفعالة، والفضاء الذي يتم فيه نشاط القراءة، وفي هذه الأحوال جميعها يحضر سؤال مركزي، ألا وهو سؤال لم يعيد القارئ قراءة كتاب؟

تتعدد الدوافع التي تحمل على معاودة قراءة الكتب، ومنها:

– الدافع الأكاديمي: حين يكون متن كتاب أو كتب موضوعا لأطروحة لنيل إحدى الشهادات الجامعية، وسواء تعلق الأمر بفن من فنون الإبداع الأدبي، أو بحقل من حقول المعرفة المتعددة، فيفترض ألا تكفي قراءة واحدة لبحث يشمل بالإشراف ويحاط بالتأطير، ويتوج بالمناقشة والتقويم؛ ومما يكشف تعدد القراءات الحالة المادية للكتاب المقروء جراء التصفح، والفتح والإغلاق، وأخذ النقط على ورق الكتاب بالتسطير، وتدوين الملاحظات والانطباعات في البياضات، بين الأسطر وفي الهوامش، والمستوى العلمي الذي يكشفه البحث المنجز، فمن الباحثين من يصل إلى درجة حفظ مقاطع طويلة من الكتاب عن ظهر قلب من فرط إعادة القراءة.

– الدافع التعليمي: عند الانتقال من القراءة إلى الإقراء، فإن ذلك يستدعي قراءات مختلفة، قراءات تستحضر السياق التعليمي، بما يتطلبه من عمل بالتوجيهات التربوية، وما يفرضه النقل الديداكتيكي من شروط تعليمية، فحين تقرأ مثلا رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ لذاتك، فهذا لا يعفيك من قراءتها مجددا بخلفية تربوية وأنت تعد لتدريسها للتلاميذ في مكون دراسة المؤلفات.

– الدافع الوجداني: ويدخل في هذا النطاق الإعجاب، فيحدث أن يقع القارئ في غرام كتاب استحسنه، واعتبره كتابه الأثير، فلا يمل من قراءته، فهذا، وعلى سبيل المثال، السارد في رواية بيضة الديك لمحمد زفزاف، يقر بقراءاته المتعددة لرواية شهيرة للكاتب الروسي تولستوي:

“قليلة هي الكتب التي قرأت، ولكن أروعها هو سوناتا إلى كروتزر، أقرأه وأعيد قراءته، قيل لي إنه لكي تفهم كتابا ما أكثر عليك أن تكون حاصلا على الباكالوريا، هذا غير صحيح، كثيرا ما أتناقش مع بعض طلبة الكلية، لكنهم يفكرون مثل أطفال”.

– دافع الكتابة: يحدث أن تتمنع الكتابة على الكاتب، فيعقب ذلك التمنع اضطراب وحيرة، ومن الحيل المفيدة التي يلوذ بها بعض الكتاب لتحرير الكتابة من إسارها إعادة قراءة كتاب أو كتب، لعل ذلك يكون مصدرا للإلهام، فتشتعل في لحظة ما من سيرورة القراءة شرارة لإبداع نص أدبي، أو ينبثق موضوع لبحث مركز، أو مشروع لدراسات مستفيضة.

– دافع التحدي: لا تسلم كل الكتب معانيها بسهولة عند المناوشة القرائية الأولى، إذ من الكتب العميق المتعالي، العصي على الفهم، الذي لا تنفع معه القراءة الواحدة، أو حتى القراءات المتعددة المبتسرة والمغرقة في السطحية، وهذا النوع من الكتب لا يجابهه إلا قارئ محترف عنيد، لا يستسلم للفشل عند المحاولات الأولى؛ بل يناجز الكتاب في جولات، متسلحا في كل جولة بما استطاع من العدة العلمية والفنية، وهذا ينطبق عليه ما قاله بارث عن النص الخالد؛ حيث يعتبر سبب خلود النص اقتراحه على القارئ معاني متجددة في لحظات متجددة.

هذه بعض الدوافع التي قد تحفز على قراءة كتاب أكثر من مرة واحدة، وقد تكون هناك دوافع أخرى غابت عنا في هذا المقام، ومهما يكن الدافع، فإن إعادة القراءة لا يمكن إلا أن تؤتي أكلها، وتجود بثمار جديدة، ويساهم في ذلك عوامل مختلفة، نذكر منها اغتناء حصيلة القارئ المعرفية، وتحول خلفيته الإيديولوجية، ونضج حسه القرائي، وتطور مهاراته في فن القراءة.

طبعا، هذا لا يعني إطلاقا أن كل كتاب يقتضي قراءة ثانية من قبل القارئ الواحد، فالدافع هو الذي يحدد الحاجة إلى الزيادة في مقدار القراءة، وعلى أي فإذا كانت بعض الكتب تعجز القراءة الواحدة عن احتواء مادتها، فإن كتبا لا تستوفى حتى القراءة الواحدة، بل أكثر من ذلك يكتفى منها ببعض الصفحات أو الفقرات، كما يكتفى من الوجبة الفاسدة باللقمة الكريهة الممجوجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى