الرباط اليوم

فشل البيجيدي في انتخابات 2021: موضوع مناقشة أطروحة دكتوراه نوعية بكلية الحقوق بالرباط

الرباط اليوم

عرفت كلية الحقوق أكدال بجامعة محمد الخامس بالرباط يوم السبت 28 أكتوبر الجاري مناقشة أطروحة لنيل الدكتوراه في العلوم السياسية، حول موضوع “استعمال المتغير الديني في التواصل السياسي بالمغرب، دراسة حزب العدالة والتنمية”، للباحث إدريس بنيعقوب، أمام لجنة مكونة 7 أساتذة وهم: الدكتور عبد الله بوصوف، الدكتور عبد الرحيم المنار اسليمي بصفته مشرفا، الدكتور أحمد بوجداد رئيسا ومقررا، الدكتور عبد الحافظ أدمينو مقررا، الدكتور محمد الغالي عميد كلية الحقوق بقلعة السراغنة، الدكتور سعيد الصديقي أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد بن عبد الله بفاس، الدكتور عمر الشرقاوي والدكتور امحمد حبرون. وقد أجازت هذه اللجنة هذه الأطروحة بعد مناقشة مستفيضة ومعمقة ومنحت الباحث صفة دكتور في العلوم السياسية بميزة مشرف جدا مع التوصية بنشر هذه الدراسة.
وتسلط هذه الدراسة الضوء على أسلوب تواصل قيادة حزب العدالة والتنمية وتأثيره على تقاليد الخطاب والتواصل السياسي بالمغرب، من خلال البحث في اللقاءات المفتوحة التي نظمها حزب العدالة والتنمية كمصدر للتعبئة الجماهيرية وكمصدر لتفاعل وسائل الإعلام، باعتبارها الوسيلة الأهم للحزب لإدارة الصراع السياسي مع باقي الفاعلين، فهي ليست مجرد لقاءات لنشر أفكار التنظيم السياسي، وإنما أداة لمهاجمة الخصوم للتأثير على الجمهور. من تم شكلت هذه اللقاءات منصة لخلق الجدل والنقاش العام مما جعلها تحظى بتغطية إعلامية، رافقتها تعليقات وجدالات، حتى أصبحت ربما أحيانا أكثر أهمية حتى من بلاغات وبيانات المؤسسات الرسمية بما في ذلك الحكومة والبرلمان.


تركزت إشكالية الموضوع حول التزايد الملحوظ لتوظيف اللغة الدينية الإسلامية منذ ما اصطلح عليه باحتجاجات الربيع العربي في المجال العام و تحديدا في التواصل السياسي للأحزاب في ظل تبني الدولة لنموذج تدبيري لأمور التدين تصفه الدولة بالوسطية و الاعتدال. هذا التوظيف للدين قد ينتج عنه عدم توازن في تدبير العلاقات فيما بين الفاعلين السياسيين، وفيما بينهم و بين الدولة و المجتمع ككل. لذا تبحث هذه الأطروحة في الملامح والسمات العامة لتواصل قادة حزب العدالة بغية الكشف عن القوى العاملة والعناصر المؤثرة في إنتاج هذا الخطاب، وتحليل أساليب الخطاب الاستعاري المضمر، والأفعال الكلامية التي تم توظيفها في تقديم الخطاب في ضوء الصفات والتكوين الذي يتوفر عليه قادة وأطر الحزب، خاصة وأن خرجات عبد الإله بنكيران واستعمال شبكات التواصل الاجتماعي لنشرها، تعد حالة جديرة بالاهتمام العلمي في علاقاتها بتدعيم الروابط في الاتصال السياسي بين القادة والرأي العام. ويستعمل القادة السياسيون لحزب العدالة والتنمية الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي والفضاءات العمومية المفتوحة كوسيلة للخطاب العام، باستعمال استراتيجيات بلاغية معينة، قد تهدف إلى صناعة “علامة تجارية” سياسية، وإلى بناء صورة أيديولوجية متميزة. كما ناقشت الأطروحة علاقة خطاب وتواصل حزب العدالة والتنمية بالفشل في انتخابات سنة 2021، مبرزة أهم العناصر التواصلية التي قد تكون وراء هذا التقهقر الانتخابي.
من بين أهم التساؤلات التي حاولت الأطروحة الإجابة عنها هي: ما هي الاستراتيجيات التي تبناها خطاب حزب العدالة والتنمية في تواصله مع الجماهير لاسيما منذ فترة الربيع العربي سنة 2011، إلى نهاية ترؤسه الحكومة 2021؟ ما هي أهم آليات التعبير المجازي والخطاب المضمر التي وظفها بنكيران في مواجهة خصومه؟ ماهي السياقات والظروف والمراجعات التي ساهمت في تشكل حزب العدالة والتنمية؟ ما هي حدود العلاقة بين الديني و السياسي في النسق السياسي المغربي، و ما هي نقط التماس و نقط التنافر و ما مدى مشروعية استعمال الأحزاب لخطاب ديني منافس لخطاب الدولة الديني و ما هي أهم أنواع الخطاب الديني بالمغرب؟ هل يرتبط الخطاب السياسي الديني في المغرب بأنساق سياسية و فكرية أجنبية؟ ما مدى تأثير المصطلح و القاموس الديني على توجهات الرأي العام و على مختلف فئات المجتمع؟ هل النصوص القانونية و التنظيمية، بما في ذلك قواعد تنظيم المجال الديني، كافية لتأطير استعمال الخطاب الديني في التنافس السياسي الحزبي و ما مدى نجاعتها؟ ماهي النتائج المترتبة عن توظيف العامل الديني في الحياة السياسية الحزبية و ما تأثيرها على النسق السياسي ككل؟ وما هي طبيعة التحولات التي أحدثها الحراك الشعبي خلال سنة 2011 على مسار الاسلاميين بالمغرب؟ ولماذا نجح الإطار الفكري للحركة الإسلامية، إبان الثورات في تعبئة الناخبين على حساب التيار العلماني المدني؟ ما هي مسببات وتداعيات الأزمة التي عاشها الحزب الاسلامي بعد “اعفاء” بنكيران وبعد التراجع في انتخابات 2021؟
اعتمد الباحث على باراديغم وعلى جهاز نظري ومنهجي نوعي قال عنه أنه باراديغم معتمد حاليا ومنذ مدة في الدراسات الأنجلوساكسونية في التحليل النقدي لخطاب السياسيين تحديدا، وبذلك فقد اعتم على نظريات ومناهج عدة أهمها، نظرية المجتمع الشبكي Networked Society theory لمانويل كاستياس Manuel Castells. وترى هذه النظرية أن هناك علاقة تأثر بين التغييرات التي تحدث في المجال السياسي تتأثر بشدة بالتغيرات في البعد التكنولوجي، التبادل بين علاقات القوة ومجتمع الشبكة في البيئة السياسية نتيجة التقدم التكنولوجي والرقمنة، وظهور ما يطلق عليه “الاتصال الجماهيري الذاتي”، وهو جزء من نظرية المجتمع الشبكي. واستعمل أيضا نظرية أفعال الكلام Speech Acts Theory التي طورها الفيلسوف الإنجليزي جون لانجشو أوستين Austin، والتي ترى أن لأفعال الكلام خلفية اجتماعية، وبذلك فإن المتلفظات الذي ينطق بها الخطيب السياسي، لها مظهر دلالي مهم، بحيث تعد أفعالا وإنجازات لها نتائج وانعكاسات ووقع على باقي الأنشطة التي نقوم بها، وبذلك فإن اللغة ليست مجرد أداة للأخبار والوصف، بل وسيط لبناء الواقع والتأثير فيه وتحويله، وأن الاستعمال اللغوي ليس إبراز منطوق لغوي فحسب، بل إنجاز حدث اجتماعي في آن واحد. كما أسس الباحث أطروحته على نظرية الديمقراطية التداولية Democracy theory Deliberative التي تفترض ضرورة وجود خطاب ثنائي الاتجاه بين السياسيين وناخبيهم بهدف التبادل الحر للأفكار، ولتعزيز النقاش، ولتشجيع الخطاب الصادق والمتوازن ومن تم البحث عن الحلول، الشيء الذي يقتضي وجود خصائص معينة مثل المنطق، واستخدام الأدلة والحجج العقلانية في الخطاب.
وقد تبنى الباحث مقاربة التحليل النقدي للخطاب من خلال النموذج المعرفي لـ تيون فان ديك Teun Van Dijk’s، الذي يعتبر اللغة وسيلة كفيلة بتطويع الخطاب ليصير ممارسة سلطوية سياسية، تتضمن الهيمنة عبر الاختيارات اللغوية المقصودة. ويتكون هذا النموذج من ثلاث عناصر وهي: التحليل الاجتماعي المعني بفحص السياق، ثم تحليل الخطاب المعني بالنص نفسه، والتحليل المعرفي، الذي يعطي أهمية للبعد الأيديولوجي في الخطاب والذي يجعل المتحدث، يرسم عن حزبه وعن شخصياته تمثلا إيجابيا لذواتهم في حين يرسم عن الآخر رسما سلبيا، فيصير حزب العدالة والتنمية ينظر إلى المشهد السياسي ب” أنا والآخر”.
يسعى التحليل النقدي للخطاب لدراسة الاستعمال اللغوي “المخادع” الذي يخدم الأيديولوجيات، ومن تم الهيمنة على مناطق القرار في البنى الذهنية لدى الفئات المستهدفة، وليس الاقتصار على تحليل المضمون فقط. ويقوم المربع الإيديولوجي أو المربع المفاهيمي لدى فان دايك على أربعة مبادئ تمكن التحليل الإيديولوجي من التعبير عن المواقف الإيديولوجية المختلفة في الخطاب وهي:
– التأكيد على الأمور الإيجابية التي تتعلق بنا.
– التأكيد على الأمور السلبية المتعلقة بهم.
– إزالة التركيز على الأمور السلبية التي تتعلق بنا.
– إزالة التركيز على الأمور الإيجابية المتعلقة بهم.
استعمل الباحث أيضا منهج المسح الشامل في شقه الكيفي باعتباره منهجا يتسق وأهدافها، بما يتيحه من إمكانيات رصد وتحليل وكشف الخصائص العامة لخطابات عبد الإله بنكيران تحديدا، ومن تم استخراج الأطروحات المركزية لخطابه، وتحديد القوى الفاعلة والأدوار المنسوبة إليها من وجهة نظر الخطاب، والاستراتيجيات التي تم توظيفها في دعم خطابه، مع تحليل لبعض الأبعاد السيكو استراتيجية التي تؤثر في إنتاج خطاب عبد الإله بنكيران واستراتيجيته اللغوية. تناول الباحث أيضا في مناقشة أسئلة أطروحته المنهج الوظيفي، الذي أغنى علم الاجتماع، لكونه منهجا لا يتميز بالتعقيد أو بالشكليات التقنينية والضبطية الكثيرة. وتتناول هذه الأطروحة الوظيفة بكونها مفهوما يساهم في فهم علاقات السببية، جاء من الرياضيات وتم تطويره في البيولوجيا ثم انتقل إلى علم الاجتماع وارتبط بالمسارات الحيوية والعضوية داخل النسق الاجتماعي بغاية فهم عناصر إبقاء البنية أو العضو الاجتماعي. ومن منظور مالينوفسكي أو من خلال تلامذته منهم ميرتن، فإننا نعتمد على هذا المنهج للقيام بالملاحظات الضرورية ثم لتفسير وفهم الارتباط بين عوامل مستقلة داخل النسق وعلاقاتها بالمجتمع ككل. ويميز مرتون بين الوظائف الظاهرة والوظائف الكامنة، و يرى أن هناك بعض العناصر الاجتماعية كالدين مثلا قد يكون لها وظائف مهمة بالنسبة لمجموعات أو فئات من المجتمع دون فئات أخرى تنتمي لنفس المجتمع، واعتبر أن التقاليد والعادات عوامل لها وظائف معينة وحيوية. كما أن الباحث يرى أن المنهج البنيوي مناسب لهذه الدراسة كمنهج يساعد على فهم الظواهر الاجتماعية، وعلى فهم نسق العلاقات داخل النظام السياسي وعلى فهم البنية الحزبية من خلال إبراز قدرات الفاعلين على التحول والضبط الذاتي داخل نسق شامل. يعتبر المنهج البنيوي البنية كبناء، دراسته تحدد نمط العلاقات داخلها وقد تتطابق الوظيفة مع البنية. فالبنية هي ثابت نسبي وهي تخلق توازن غير مستقر بين القوى المتصارعة، المتحركة والمتغيرة تحت رقابة بنيات أخرى، وهكذا تنتج البنية بناءات وإعادة بناءات مستمرة. ومن المناهج الأخرى التي اعتمدها الباحث هو منهج التحليل النسقي، لاسيما من منظور دافيد اسيتون، المتميز بفهم وتفسير الدينامية داخل بيئة متنوعة، بغية فهم عناصر الحفاظ على استقرار الأنساق السياسية ضمن سياق التغيير والتحول. أو من خلال تصور تالكوت بارسونز في توجهه الوظيفي البنيوي، من منطلق الحفاظ على التوازن، في تفسيره للنظام الاجتماعي، الذي يضم النسق الاجتماعي والنسق الثقافي، المتميزين عن بعضهما والمرتبطين في نفس الوقت بواسطة مفهوم المأسسة، أي بتحويل العناصر الثقافية كالقيم والدين والرموز وغيرها، إلى معايير وقواعد عمل أو سلوك اجتماعي.
وجاء في تقديم الأطروحة من قبل الباحث أمام لجنة المناقشة أنه اعتمد إلى جانب هذا الجهاز المفاهيمي المركزي، جهازا نظريا فرعيا ومكملا، كنظرية السوق الدينية والتبضع الديني لمحاولة لفهم العلاقة بين الخطيب السياسي المتدين، وبين الجماهير أو مع باقي الفاعلين، “للتبضع الديني”.
استعمل الباحث نظرية الدور التي تنطلق نظرية من محددات الفعل الاجتماعي كما تصوره ماكس فيبر، وهي نظرية أسست بداية على فهم أدوار الدول على المستوى العالمي وهي تساعد على فهم السلوكيات السياسية للدول تجاه بيئتها الدولية أو الإقليمية، وأيضا إلى فهم مراكز ومواقع الأفراد والتنظيمات داخل النسق الوطني الداخلي. وقد استعملها الباحث تحديدا لوضع مقارنة بين حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة من إبراز عاملين مهمين ينتجان عن تطبيق نظرية الدو وهما:
– العامل الزمني فالدور غير محدد الزمن، في حين أن الوظيفة أو المهمة هي مؤقتة محددة زمن مدة فاعليتها.
– العامل الثاني هو تمثل المنتسبين للدور وللمهمة، فصاحب الدور يعمل على انتاج مناضلين سياسيين يؤمنون بالفكرة ومستعدون للضحية من أجلها فيما صاحب المهمة المؤقتة من الصعب أن ينتج مناضلا وإنما قد ينتح منتسبا زبونا سياسيا. وقد تم اعتماد هذه النظرية في فهم قوة التنظيم الحزبي للعدالة والتنمية في تمثلهم لدورهم الذي ينظر له أن يتجاوز الزمني إلى الديني الخالد، ثم مقارنته مع حزب الأصالة والمعاصرة أكثر الأحزاب مواجهة مع التنظيم الإسلامي، الذي في نظر الباحث كان يمارس مهمة بشهادة مؤسسيه ومنسبيه وقياديه، عندما كانوا يصرحون علنا بمقولة: جئنا من أجل التصدي للتيار الإسلامي، بمعنى أن وجودهم مرتبط بمهمة سياسية محددة وليس من أجل بناء سياسات منتجة للرجاء الاقتصادي والاجتماعي، مما صعب عملية بناء قناعات لصناعة مناضلين أقوياء ورفع منسوب تواجد الزبناء السياسيين لديه.
استعان أيضا الباحث بنظرية “المثلث الدرامي” لكابرمان وتطبيقها على خطاب بنكيران، فكانت الخلاصة لعب هذا القيادي السياسي ثلاث أدوار في نفس الوقت: الضحية والمنقذ والجلاد. ومن أسباب الدخول في “مثلث الضحية”، هو الضعف في تحمل المسؤولية عن الذات، أو التمسك بمعتقدات قديمة دون إخضاعها للمحاكمة العقلية، أو إنكار للمشاعر الحقيقية تجاه قضية ما واستبدالها بمشاعر أخرى تتماشى مع السياقات الاجتماعية، أو بسبب خداع الذات وعدم مواجهتها بالحقيقة، أو بممارسة الإسقاط أي إلصاق الشعور بالآخرين، وأيضا بسبب عدم القدرة على فهم الذات (من أنا). وقد يلعب الشخص الواحد الأدوار الثلاثة في نفس الوقت، كأن يعبر عن إرادته في تقديم المساعدة (المنقذ)، ثم يعبر في نفس الوقت أنه تعرض للوم بسبب فعل التعبير عن تقديم المساعدة (الضحية)، ثم يختم بأن هذا الوضع يعطيه حق الرد لحماية نفسه (الجلاد).

تناولت الأطروحة أيضا نظرية صناعة العدو لقراءة الخصومات السياسية لحزب العدالة والتنمية ، وهي نظرية تتأسس على فرضية أن العدو هو صناعة تنشأ بداية عن تبني توجه ايديولوجي وبناء خطاب مصاحب له، يغديه صنّاع رأي. فالعدو حسب هذه النظرية هو جزء من متخيل جمعي خاص بكل جماعة، موحِد للجماعة، محدد لهويتها ومميزا لها. كما يمكن توظيفه كمهدأ لحالات القلق الجماعي. ووجود العدو من أجل تلبية حاجاتٍ اجتماعية متعددة، منها الحاجة إلى الهُوية، أي تعريف “الذات” من خلال تعريف “الآخر”، والحاجة إلى توطيد الأواصر ضمن الجماعة. فصناعة العدو كآخر مهدِد لجهة ما، هي فعل سياسي بالضرورة. وبذلك يعمد السياسي إلى جعل هذا العدو يجب أن مخالفا حتى ولو باستعمال الكذب والزور والافتعال، فيتم استعمال خطاب شفهي تمييزي يوظف ألفاظا تحط من قدر الآخر لتبرير العنف تجاهه وحرمانه من المعاملة الإنسانية العادلة، فهو ليس ندّاً، ليس محاربا أو عدوا، إنه بربري، إرهابي، قاطع طريق، عنيف. ويصبح التمييز في ما بعد ثقافيا وعرقيا منشئا لنظريات التفوق العنصري.
اعتمدت الدراسة أيضا على نظرية المسرح الاحتفالي التي تأسست في عالم المسرح بخلفية نظرية وفكرية عميقة من قبل المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد. يعتمد هذا المسرح الاحتفالي على كسر قواعد المسرح التقليدية، بجعل الممثل حرا بدون نص محدد وبدون مخرج موجه، كما يجعل الخشبة فضاء تفاعليا يكسر فيه الجدار الرابع بين الجمهور والممثل، بلغة السمر والتسويق. هذا الشكل من العرض أقرب إلى وجدان المغاربة، لكونه يستند على الذاكرة الشعبية وعلى التراث والوجدان الشعبي وعلى التواصل الجماعي عبر فضاءات منفتحة كالأسواق والساحات، وأقرب أيضا إلى عواطفهم مقارنة مع أنواع المسرح الأخرى التي غالبا ما تحدث نوعا من “الطبقية” ضمن المشاهدين، وتمنعهم من المشاركة مع الممثل صاحب الدور على الخشبة.
الاحتفالية هي خلق التفاعل بين النص والممثل والجمهور والزمن والمكان. لذلك فإننا نرى، أن ممارسة التواصل السياسي مع الجماهير بهذه الطريقة قد يعطي أفضلية للمتواصل على منافسيه، ليس لكونه يمتلك رؤية وتصور لسياسات عمومية دقيقة، وإنما لكونه أحسن توظيف قوالب تواصلية متنوعة وحول تراكم التواصل الشعبي وبعض قواعد المسرح إلى قالب صنع وسيلة فعالة لاستمالة الجماهير.

من أهم استنتاجات الدراسة على ضوء النظريات والمقاربات المنهجية التي اعتمدتها، نجد:
– استعمال قيادة الحزب لغة بسيطة وواضحة وشعبية تصل إلى الجماهير بسهولة، إلا أنها غير مؤسسة على خطاب تداولي، بغياب الاستدلال العقلي أو الأدلة الملموسة لدعم عناصر الخطاب.
– خلق نوع من الانفصال السياسي الداخلي بين تيار مؤمن وتيار علماني أو حداثي لا يؤمن بالمرجعية الإسلامية كأساس للعمل السياسي، من خلال تركيزه على مهاجمة خصومه.
– عدم خلق قوة نقاشية تساهم في إطلاق جدلية ديمقراطية للوصول إلى حلول للمشاكل العمومية. فيظهر بذلك بنكيران كشخصية شعبوية تحشد الجماهير ضد خصوم سياسيين بدون أي تشجيع على التبادلات الحوارية الثنائية، فالخطاب التداولي يقتضي الصدق والتوازن في النقاشات السياسية.
– كلام بنكيران كان أسلوبا منهجيا يحكمه العقل وليس العواطف.
– توظيفات متسقة ومتكررة لألفاظ الإهانة والإساءة ضد خصومه، إضافة إلى استخدام ترميز لغوي والسخرية والنكتة بغية تحقيق إنجاز فعلي وهو التأثير على المتابعين لتصريحاته واستمالتهم أو توجيههم. وبذلك فإن الإهانات التي يستعمل بنكيران أو حديثه عن عيوب خصومه أو استعماله لغة الرموز والنكت والاستعارات والتشبيه وغيرها تشير إلى أنها لم تكن عشوائية أو اندفاعية بل كانت موجهة لتحقيق تأثير على الجماهير.
– استعمال أسلوب تواصل أكثر بساطة، يصل إلى جمهور أكبر مقارنة بخصومه السياسيين، وبالتالي كان الهدف التأثير على الفاعلين غير السياسيين على الشبكات المعنية، لفهم رسائله بسهولة أكبر من رسائل الفاعلين السياسيين الآخرين على الشبكة.
– تواصل للوصول إلى جماهير عريضة من خلال استعمال منصة فيسبوك ويوتيوب، كوسائل تكنولوجية حديثة أو كشعبوية تكنولوجية بمحتوى بسيط وسهل الفهم والتفسير، لتحقيق نسب مشاهدة كبيرة.
– استخدم حزب العدالة والتنمية كفاعل سياسي الاتصال الذاتي الجماهيري على الشبكة لتقديم محتوی سياسي، لمدح ذاته والتهجم على خصومه لاسيما خلال فترة الحملات الانتخابية.

– تصريحات وخطب بنكيران لعبت دوراً حاسما في إنتاج المعتقدات والمواقف تجاه الحزب وتجاه خصومه منذ فترة الربيع العربي 2011 إلى نهاية ولايته على رأس الحكومة.
– استخدام خطاب أيديولوجي ذو نزعة قيمية أخلاقية بغرض تبرير الأفكار، وإقناع متابعيه، ومن أجل تشويه سمعة الآخر أي خصومه، باستعمال لغة استقطاب مهيمنة لدعم ذاته وحزبه داعمة مقابل ازدراء الآخر.
– استجابات الخطاب لدى حزب العدالة والتنمية تجاه السلطة، تميزت باستجابات ممناعة ورفض أحيانا لبعض قرارات الدولة، واستجابات رضوخ وتبعية وعدم اعتراض أحيانا أخرى.
كما خلص الباحث وفق المقاربات المنهجية المعتمدة الى استخلاص الأطروحات والاستراتيجيات الخطابية الرئيسية في تواصل عبد الإله بنكيران تجاه المشهد السياسي، وبعض الجوانب السيكو-استراتيجية لخطاب بنكيران أو ما يسمى بتجليات الصلابة النفسية Psychological Hardiness، وفق مقياس وضعته سوزان کوبازا، للكشف عن بعض الملامح النفسية للخطيب والتي قد تكون مهمة في تحليل الخطابات على مختلف المنصات.
وفيما يتعلق بالفوارق في استهلاك الخطاب الديني بين الدولة ومؤسسة المجالس العلمية والعلماء المالكيين وبين استعمالات حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح فقد ركزها الباحث في نقط الاختلاف الآتية:
• مؤسسات الدولة و الاستعمال الشرعي للخطاب الديني:
– من وجهة نظر قانونية: استعمال مؤطر ومنظم.
– من وجهة نظر فقهية: تطابق مع المذهب المالكي في بعده الصوفي.
– من وجهة سياسية: تثبيت إمارة المؤمنين ومذهب الدولة الديني في المجتمع ونزع الشرعية عن مخالفي توجهات أمير المؤمنين.
• حزب العدالة والتنمية واستعمال الخطاب الديني في العملية السياسية:
– من وجهة نظر قانونية: استهلاك مفرط وخروج عن روح النصوص القانونية وإخلال بقواعد التنافس.
– من وجهة نظر فقهية: امتثال متذبذب للمذهب المالكي وممارسة مدارس فقهية سلفية وعدم وضوح المسافة مع ما نسميه خط التسلف الكامن داخل التنظيم السياسي لاسيما في نخب جماعة التوحيد والإصلاح.
– من وجهة نظر سياسية: مقاومة المختلف عن الحزب سياسيا واستمالة الجماهير، ومحاولة التقرب إلى أمير المؤمنين و إضعاف الخصوم دعاة الحداثة، وتثبيت الدور الديني والتنفيذي المحافظ للملكية، و دعمها أمام دعاوى الحداثة مع الدفاع على القيم الليبرالية المحافظة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى