RABATTODAYالرئيسيةسـلا اليوم

سلا المدينة.. بين التاريخ والبحر والنهر والضريح

Numériser0010

الرباط اليوم

قبل الاسلام بكثير كان وجود مدينة سلا،كما يُجمع على ذلك الباحثون والمهتمون،بقضايا العمران وتاريخ مدن المغرب، وتجمع معهم معظم مصادر تاريخ البلاد ككل. ففي إتحافه الوجيز وتاريخ العدوتين، يذكر محمد بن علي الدكالي. أن القرطاجيين الذين دخلوا المغرب قبل الهجرة النبوية بحوالي ألف وأربعمائة سنة، كانوا أول من استقر بها. وأن الوندان والرومان كان لهما تأثيرهما، على ثقافة ونمط حياه وعمران كل من سلا وشالة. واذا كان من الصعب الحسم، في من كان وراء تخطيط وبناء العدوتين.فهناك من يتحدث على أن إسم سلا مأخود عن اسم بانيها، وهو ملك اسمه سلا من ملوك قدماء، وما يقال عن سلا نفسه يهم شالة، أما الرباط فهي حديثة العهد بنيت من قبل يعقوب المنصور الموحدي، وكان يسمى رباط سلا لما كانت تضاف شالة لسلا. وهناك من ذكر أن سلا المدينة التي تطل على المحيط الأطلسي ونهر ابي رقراق، بنيت مند حوالي ألف وخمسمائة سنة قبل الميلاد. وأن القرطاجيين أنشأوا بها مكانا لتجارتهم عُرف ب: سلفيس، وأن الرومان هم من سموها يهذا الاسم بعد احتلالها. وهي باننسبة لمستعمراتهم في المغرب كانت توجد في أقصى الجنوب، وقد دام احتلالهم لها حوالي خمسة قرون.
وكان خلال العصر الوسيط وبعد وفاة ادريس الثاني، قد تولى حكم البلاد محمد بن ادريس الذي قسمهاعلى اخوته،واضعاعلى سلا أخاه عيسى الذي تمرد عليه فيما بعد طمعا في الحكم.وبطلب من محمد بن ادريس، قام عمر ابن ادريس- كان حاكما على بلاد صنهاجة واغمارة-بحشد جيش عن قبائل زناتة،وهزم أخيه عيسى في سلا التي عين بها حاكما. وعلى امتداد تجارب حكم مغرب العصر الوسيط من مرابطين وموحدين ومرينيين، عرفت سلا تحولا وازدهارا في عدة مجالات خاصة جانبها العمراني، من مساجد ومداريس وأسوار وأبواب ومارستانات وغيرها،وكانت سلا وجهةلهجرة الأندلسيين عنوة الى المغرب. ومن جملة ما عرفت به سلا وتميزت على سائر مدن البلاد، حركتهاالشعبية التي ارتبطت بالبحر والجهاد خلال ق17م، مستغلة ما كان عليه المغرب آنذاك من وضع داخلي صعب. حركة جعلت سلا بصدى دولي آنذاك والمغرب كقوة بارزة آنذاك.ولم تتراجع هذه الحركة إلا مع نهاية القرن نفسه، بعد تمكن العلويين من توحيد البلاد مجددا.
وكان مصب أبي رقراق ومرسى سلا مركز هذه الحركةومنطلقها، ما جعل المدينة بمثابة قاعدة للجهاد البحري خلال هذه الفترة من تاريخ المغرب.إنما بصمة سلا انطلاقا من تاريخها الثقافي تعود لبداية ق14م، عندما جاء إليها الشهير بسيدي بن عاشر- كان بمعرفة طبية وبأساليب علاج بعض الأمراض- واختار الاستقرار بها. وبعد وفاته بدأ الناس يتوجهون الى قبره للاستشفاء بحسب اعتقادهم، بجلوسهم الى جانب قبره كعادة امتدت لقرون. وكانت القبائل المجاورة لسلا كما بالنسبة لزعير واسهولوأعمور..، تنظم احتفالات خاصة بضريحه كان صداها وأثرها يصل حتى فاس.
وكان مولاي سليمان على إثر احدى زياراته لسلا 1810م،قد أمر بوضع قبة على قبر ابن عاشر، ووضع حاجز من خشب لفصل القبر الى جانبين، الأول خاص بالنساء والثاني خاص بالرجال. كما أمر ببناء عدد من البيوت(بنيقات)، كانت تخصص لزوار قادمين من جهات بعيدة. بنية استقبال توسعت عام 1887م،من خلال اضافة بيوت جديدة منها قاعة خصصت لصلاة الجمعة. وبداية العناية بضريح ابن عاشر تعود الى عهد مولاي عبد الله بن اسماعيل، الذي أمر ببناء قبته وجناحيه. ليعرف سلسة اصلاح وتجديد على عهد مولاي عبد الرحمان فيما بعد، مستفيدة من هبات بعض أعيان المدينة كما عبد الهادي زنيبر وغيره. ومع بداية القرن الماضي قام أحد أعيان المدينة وهو مولاي أحمد سابودجيالسلاوي، ببناء قاعة كبرى لاستضافة زوار ضريح ابن العاشر القادمين من جهات بعيدة من البلاد. خاصة الذين كانوا يأتون للاستشفاء في اعتقادهم،وللاقامة لبعض الوقت حتى في أمكان أخرى مجاورة، بما في ذلك الاقامة في ضريح سيدي موسى بن علي غير بعيد عن ضريح سيدي بن عاشر.
والى جانب ما كان يساهم به الزوار لفائدة مداخيل المكلفين بالضريح، كانت هناك هبات وتبرعات تقدم خلال الاحتفال الديني. وذلك من أجل العناية بالضريح من تبييض لجنباته بالجير، خاصة أثناء الاحتفال بالمولد النبوي من كل سنة. وكانت حراسة ضريح ابن عاشرموكولة لأسرة ولاد عمر التي لم تكن تسكن به، وحماية الضريح كانت تتم بشكل دوري حيث كان يخصص أسبوعا لكل واحد. والى جانب مساهمة هذه الأسرة في الحماية، كانت هناك لجنة مراقبة تظم باشا مدينة سلا وفردين عن أسرة ولاد عمر، ثم مقدم الزاوية وأحد أعيان المدينة ومنهم الحاج نفير. ومدينة سلا التي كانت بتفاح عجيب يثمر مرتين في السنة، كان يوجد في الديار مغروسا لطيب رائحته وحسن منظره ولطافة شكله. هذا اضافة ورد أحمر وأبيض وياسمين وقرنفل وحبق، وشجر الآس والنارنج وغيره الكثير من النبات.ومدينة سلا التي كانت بها مطالة وليست بطانة باسمها الشائع الآن، ومطالة هي احدى منتزهات المدينة الجميلة بمياهها. مدينة سلا قيل قديما حول قيمتها وقيمة العدوتين معا، من حيث جمال البيئة والأثر على النفس وبهجةالراحة والترويح:
أرى القلب يسلو عن همومه // ويعروه ضربا في الرباط من القنط
لأن ســلا من السلو اشتقاقه // كذلك الرباط اشتق أيضا من الربط
وقيل كذلك:
سلا القلب في مرسى سلا وتجملت // ركائب هــــم كن خيمن في الصدر
بلاد فكلتا ضفتيهما كأنهمـــــــــــــــا // وشاحان أو جفن على ذلك النهر
وكانت سلا بحضور قوي في جل حركات وتجارب المغرب السياسية، في تاريخ المغربمستفيدة أساسا من موقعها. فكانت باتصال مع باقي المدن المغربية العتيقة والأصيلة كفاس ومراكش وغيرها، ومن هنا تقاسمها لعدد من أوجه الثقافة الأصيلة وعمرانها. والى جانب كونها كانت بؤرة جهاد، كانت مقصدا لعدد من الصلحاء والعلماء ومعقلا للصوفية. وجليا تبدو مدينة سلا أنها كانت منفتحة دوما، على مختلف الهجرات الفردية والجماعية. فكان النازحون اليها والمهاجرون بأثر في تعديل شخصيتها، لما حملوه معهم من إرث ثقافي وتقاليد ونمط عيش وغيرهما من أوجه الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى