سياسة

بوصوف: حضور لافت لسيدات السياسة في مواجهة ماكرون

الرباط اليوم

بقلم الدكتور عبد الله بوصوف


قـد لا نُجازف بالقول إن الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجري في ابريل 2022  لا تشبه مثيلاتها طيلة عُمر الجمهورية الخامسة، بل إنها لا تشبه حتى النسخة الأخيرة من الرئاسيات الفرنسية لسنة 2017.
فالسباق نحو قصر الايليزي لم يعرف ذلك الزخم السياسي والاعلامي المعهود رغم محاولات اليمين المتطرف “للسطو” على الإعلام للتأثير وتوجيه الرأي العام الفرنسي، وهو ما عبرت عنه العديد من نتائج استقراءات الرأي التي قامت بها معاهد و مؤسسات متخصصة حول مآلات الرئاسيات الفرنسية؛ وهي النتائج التي جعلت من الرئيس “ايمانويل ماكرون” المرشح الأوفـر حظا، متبوعا  بكل من “مارين لوبان” ثـانيا، و”جون لوك ميلونشون” ثالثـا؛ فيما حل “إيريك زمور” رابعـا. فنتائج الاستطلاعات وإن كانت ذات طبيعة نسبية، فقد أضحت آلية ضرورية لكل قــراءة تقريبية للواقع السياسي ولأداء الفاعلين السياسييـن، إذ أصبحت بمثابة  “التـرموميتر السياسي” الـذي يسبق كل استحقاق انتخابي.
لقد ساهمت العديد من العوامل في جعل الحملة والبرامج الانتخابية للرئاسيات الفرنسية أقل إثارة وتشويقا، وفي تراتبية أقـل ضمن اهتمامات المواطن/الناخب الفرنسي الذي تـأثـر كثيرا بتداعيات جائحة كورونا التي أعادت ترتيب أولويات المواطن خاصة في مجال الصحة والبحث العلمي والمؤسسات والصحية، وكذا الأمن الغدائي والمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية بعد تجربة الحجر الصحي، هذا دون نسيان المجال الزراعي و المزارعين…
أضف إلى هـذا تـداعيات الحرب الدائرة في أوكرانيا وانعكاساتها الخطيرة على القوة الشرائية للمواطن الفرنسي، حيث ارتفعت أسعار الكهرباء والبنزين والمواد الغدائية واختفت العديد من السلع والمواد من رفوف الأسواق الفرنسية. كما أن الحرب على أوكرانيا تعني أيضا تحمل فرنسا لكفتها الإنسانية باستضافتها للاجئين أوكراين، وإرسال مساعدات مادية و عينية، وهي عوامل جعلت من مواضيع الأمن الطاقي و الطاقات البديلة و النظيفة و التحول الرقمي والبيئي وغيرها من بين أهم أولويات واهتمامات الرأي العام الفرنسي،
وهو ما يعني أن كل عرض سياسي لا يحمل هذه الملفات على رأس الاجندة السياسية للفاعلين السياسيين، سيكون خارج أجندة المواطن/الناخب الفرنسي، لذلك قلنا بدءا انها لا تشبه مثيلاتها.
من جهة أخرى، فان كلا من جائحة كورونا والحرب الروسية على أوكرانيا ساهمتا في رفع أسْهُـم الرئيس ماكرون داخليا من خلال العمل على إيجاد الحلول المناسبة للملفات الحارقة أولا كالقدرة الشرائية والطاقة وحرصه على زيارة المعرض الزراعي بباريس، ثم  تقديمه لترشحه في وقت متأخر كرسالة على أولوياته ثانيا. أما خارجيا فقد تزامنت الرئاسيات مع الرئاسة الدورية لـفرنسا لمجلس الاتحاد الأوروبي، ومع جهود ماكرون في إيجاد حل للأزمة وإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا سواء بلقاءته مع بوتين أو داخل مجموعة السبع أو الناتو أو داخل هيئة الأمم المتحدة.
وحتى قبل إعلان الاجتياح الروسي لأوكرانيا، فقد عمل ماكرون مع المستشارة الألمانية “انجيلا ميركل” على تقوية الاتحاد الأوروبي من خلال مشروع الدفاع الأوروبي المشترك وكذا مشروع “الجيل القادم للاتحاد الأوروبي”و ميثاق دوبلن… 
 
كل هذه الأحداث القوية جعلت من عُهدة الرئيس ماكرون فترة غير عادية (2017/2022 )، وأثرت في أجندته السياسية ورهنت تصريحاته. وهنا نتذكر الأحداث الإرهابية خلال ولاية الرئيس ماكرون منذ سنة 2017 الى غاية سنة 2020 حيث نسبت أغلب تلك الأحداث إلى مهاجرين أو فرنسيين من أصول أجنبية بانتماءات إسلامية، وما تبع ذلك من إجراءات وتدابير استهدفت التضييق على حرية المعتقد و ممارسة الشعائر الدينية خاصة المسلمين منهم و فضاءات العبادة و تمثيليات الجاليات المسلمة بفرنسا.
لذلك فإن كل استقراءات الرأي وطيلة ولاية الرئيس ماكرون كانت تضعه في المقدمة مع تغييرات طفيفة في النسبة، بالمقابل استمر الحزب الاشتراكي في البحث عن زعيم يُعيد للحزب توهجه السياسي وعمقه الاجتماعي ويوحد عائلة اليسار الفرنسي، واستقر اختيار الحزب في الرئاسيات الجديدة على عمدة باريس “آن هيذالغو”، كما انشغل حزب الجمهوريون في الانشقاقات والفضائح واستقر الأمر على تمثيله من طرف “فاليري بيكريس” رئيسة جهة باريس؛ بينما قاوم “جون لوك ميلونشون” للبقاء قيد الحياة السياسية وسيدخل مرة أخرى مُمثلا لحزب “فرنسا الأبية”، فيما تفرق أنصار اليمين المتطرف بين “مارين لوبان” وريثة  “حزب الجبهة الوطنية” والذي غير تسميته إلى “حزب التجمع الوطني” وبين الصحافي المثير للجدل “إريك زمور” وحزبه  “الاسترداد” بالإضافة إلى فاعلين اخرين يمثلون اليسار الراديكالي والخضر.
نعتقد أن اليمين المتطرف واع بنقط ضعفه أولها الانقسامات المتعددة والانسحابات حتى من طرف عائلة لوبان؛ ثانيا، يفـتقـد اليمين لبعض العناصر المؤسِسة لإديـولـوجيته العنصرية ونعني بها الاستفادة  فيما مضى من تداعيات الضربات الإرهابية، كتوظيفه لحادثة متحف اللوفر فبراير 2017 أي قبل رئاسيات ابريل/ماي 2017؛ كما يفتقد من جهة أخرى إلى موجات للهجرة الجماعية من دول مسلمة خاصة من سوريا أو من شمال إفريقيا، وكلنا يـتذكر التوظيف السياسي والأيديولوجي الخطير لليمين المتطرف لموجات الهجرة الجماعية سنوات 2015 و2017.. وهو ما أفـقـد خطاب اليمين المتطرف العنصري الكثير من واقعيته على الرغم من وجود موجة هجرة جماعية أفغانية تحت غطاء أممي سنة 2021 وأخرى أوكرانية غير مسلمة منذ 24 فبراير 2022.
إلا أنه ومع ذلك، فإن اليمين المتطرف استمر في عزف أنشودة الهجرة والعنف والإسلام وأسماء المهاجرين ومشاكل الضواحي، مما يجعله يخاطب فئة محددة من الفرنسيين على الرغم من كون الأمر يتعلق برئاسيات وليس شعارات للفوز في انتخابات بلدية أو محلية.
وسيتراجع “إريك زمور” الذي اشعل النار في اليمين المتطرف في كل منصات الإعلام على مدار سنوات ويـمد  يده  أخيرا لمدام مارين لوبان، لكن بعد نتائج الدور الأول. فيما صرح  هو عن استعداد بعض قـادة “حزب الجمهوريون” لمساعدته بعد مروره للدور الثاني و كذلك قالت مدام  مارين لوبان.
لا يمكننا الجزم من الآن بحسم الأمور لصالح الرئيس ماكرون  رغم أن فرنسا تحتاج إلى عامل الاستقرار في ظل ترتيبات خطيرة للنظام العالمي الجديد وحروب أنابيب الغاز و ملفات المناطق الساخنة كدول الساحل جنوب الصحراء و لبنان وليبيا وسوريا.
وإذا كان ماكرون نفسه قادما من حركة احتجاجية وليس من الأحزاب التقليدية، فإن أكبر خصم سياسي للرئاسيات الجديدة في الوقت الحالي هو الامتناع والعزوف الانتخابي والتي وصلت سنة 2017 إلى أكثر من 24 في المائة، والأوراق البيضاء الملغاة التي فاقت نسبة 12 في المائة سنة 2017.
لقد صرحت السيدة “مارين لوبان” بأنها  آخـر مشاركة لها في الرئاسيات، فهل يعني أنها ستغادر الساحة السياسية بالكامل؟ ومن سيكون الوريث، هل هي ماريون مارشال لوبان حفيدة الزعيم والمؤسس جون ماري لوبان؟ أم  سيتكلف  “إريك زمور” بإدارة اليمين المتطرف استعدادا لرئاسيات سنة 2027؟ أو سيتفرغ الأخير للكتابة عن تجربته السياسية و يوميات الرئاسيات جني المزيد من الأرباح المالية وليرفع تسعيرة تنشيطه داخل المحطات الإعلامية…
لكن ما يحسب لهذه الرئاسيات هو المشاركة القوية للمرأة السياسية، فإذا تعود الناخب الفرنسي علي اسم “مارين لوبان” الذي يستمد قوته من “جون ماري لوبان”، بالإضافة إلى “نتالي آرتو” عن الحزب النضال العمالي (يساري راديكالي) التي شاركت في رئاسيات 2012 و2017 وأيضا رئاسيات  2022 والتي تعرف انضمام كل من فاليري بيكرس (الجمهوريون) وآن هيدالغو (الاشتراكي) إلى قائمة المرشحات لرئاسة الجمهورية الفرنسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى