الرئيسيةالرباط اليوم

أبواب الرباط.. معالم تاريخية ومنفذ للأسواق

الرباط اليوم
أبواب العاصمة المغربية الرباط، ليست مجرد معالم تاريخية منسية يزورها السياح الأجانب من وقت لآخر لالتقاط الصور التذكارية، بل هي نبض المدينة الذي لا يتوقف، فعبرها يدخل الناس ويخرجون في حركة دائبة ترسم إيقاع الحياة اليومية.
وأكثر من ذلك فهي بمثابة لوحات إعلانية ضخمة ترشد إلى مختلف الاتجاهات، فما من أحد أراد تحديد عنوان متجر، أو مصرف، أو سوق، أو ساحة، إلا واستعمل اسم أحد الأبواب كمؤشر دقيق لتحديد المكان أو الطريق المؤدية إليه، فهذه الأبواب لا تضاهيها شهرة إلا بعض المعالم الأخرى التي تميز المدينة مثل صومعة حسان أو مبنى البرلمان.

 

ويقول المؤرخون إن جل الأبواب المغربية الشهيرة بنيت في عصر الموحدين خلال القرن 12 الميلادي، كرموز لعظمة الدولة، وتتميز بطابعها المعماري الإسلامي الذي يعتمد على النقوش والزخارف الخشبية والحجرية.

 

أما بخصوص مدينة الرباط، فتشير المصادر التاريخية إلى أن الخليفة يعقوب المنصور بناها خلال فترة حكم المسلمين لبلاد الأندلس في عام 593 هجرية (1197ميلادية)، واستوحى فكرة تصميمها من مدينة الإسكندرية المصرية، واختار أن تمتد مساحة المدينة نحو الجنوب الشرقي حتى تلتقي بمدينة سلا عبر قنطرة معلقة فوق نهر أبي رقراق.

 

ويمتد السور الموحدي بالمدينة، الذي بناه يعقوب المنصور في العقد الأخير من القرن السادس الهجري على طول 5263 مترا غربي وجنوبي المدينة، ويبلغ سمكه مترين ونصف المتر، ويصل علوه إلى 10 أمتار. وتبلغ المساحة الداخلية المحاطة بالأسوار الموحدية 418 هكتارا.

 

أما أشهر الأبواب التي يحتضنها السور، والتي تشكل منفذا إلى مختلف الاتجاهات في المدينة، فهي، باب «العلو» وباب «الأحد»، وباب «الرواح»، وباب «القيادة»، وباب «زعير».

 

أما السور الأندلسي، والذي شيد في عهد السعديين، فيقع على بعد نحو 21 مترا من جنوب باب «الأحد»، ليمتد شرقا إلى برج سيدي مخلوف، وهو يمتد على طول 2400 متر، ويضم باب «الشالة»، وباب «البويبة».

 

ويعتبر باب «الأحد» أو باب «الحد»، كما ينطقه المغاربة، من أشهر أبواب الرباط، لموقعه وسط المدينة، وباعتباره أحد المنافذ الرئيسية إلى «السويقة» وهو سوق شعبي في المدينة العتيقة، حيث توجد المتاجر المتخصصة في بيع كل أنواع السلع من مواد غذائية، وخضر وفواكه، وألبسة، ومطاعم شعبية تقدم الأطباق التقليدية بمختلف أنواعها.

 

وسمي بهذا الاسم لأن الساحة المجاورة للباب كانت فضاء لسوق أسبوعي ينظم يوم الأحد من كل أسبوع.

 

وعلى الرغم من قيمته التاريخية، فقد تعرض الباب للإهمال قبل أن يستفيد من عملية ترميم واسعة أعادت إليه الاعتبار من جديد، فتم تهيئة أرضية الساحة المجاورة للباب، ونصبت أعمدة الإنارة، وغرست أشجار النخيل، كما تم تشييد نافورتين وسط الساحة، مما جعلها قبلة للعائلات كفضاء للنزهة، ومكان للعب الأطفال.

 

إلا أن الوجه السياحي الجديد للباب الذي انتهت أشغال الترميم فيه عام 2006، لم يلغ تاريخه النضالي، فمنه كانت وما زالت تنطلق مختلف المظاهرات الاحتجاجية والمسيرات الشعبية التي تنظم بالعاصمة، خاصة تلك المتعلقة بالقضايا القومية العربية، المنددة بالهجمات والحروب في الشرق الأوسط، حيث يتجمع الآلاف من الناس في باب «الأحد» كنقطة انطلاق أساسية للمظاهرة في اتجاه الشوارع الرئيسية مثل شارع «النصر» وشارع «محمد الخامس»، رافعين أصواتهم بشعارات الاحتجاج والرفض.

 

وإذا كان باب «الأحد» مشهور بطابعه الشعبي، والجماهيري، فإن باب «الرواح»، وهو أكبر باب في سور المدينة الموحدي، حيث يبلغ ارتفاعه 12 مترا، يتميز بطابع السكون والهدوء المخيم عليه، على الرغم من أنه مجاور لثلاثة أقواس كبيرة تخترقها مئات السيارات كل يوم. وعلى الرغم من أنه تحول إلى رواق فني شهير يعرض فيه كبار الرسامين المغاربة والأجانب لوحاتهم التشكيلية على مدار العام، فإن زوار المعارض لا يكسرون سكونه إلا يوم افتتاح معرض هذا الفنان أو ذاك، حيث يمتلئ الرواق بالمدعوين من أصدقاء الفنان، وبعض الوجوه المعروفة، وعدد من الصحافيين، وفي الغد يستعيد الرواق المشتق اسمه من الريح، سكونه وهدوءه، وتظل اللوحات معلقة على الجدران الحجرية الباردة تحت إنارة خافتة، في انتظار من يدفعه الفضول لزيارته، وهذا هو حال مختلف المعارض والأروقة الفنية التي تشكو من هجر الجمهور.

 

ولا يقتصر تنظيم معارض اللوحات التشكيلية على باب «الرواح» فقط، بل يتقاسم هذه المهمة مع بابين آخرين هما باب «العلو» و«باب الكبير»، وكلاهما يتميز بموقعه القريب من الواجهة البحرية، فباب «العلو» أو الباب العالي، وطوله 19.2 مترا، وارتفاعه 10 أمتار، يعد أقرب الأبواب إلى المحيط، وهو يبعد عن البحر مسافة 544 مترا. تعلوه أبراج، ويتوفر على غرف صغيرة كانت مستودعا للأسلحة.

 

أما باب «الكبير» فيقع فوق هضبة صغيرة محاذية لقصبة الاوداية الأثرية المطلة على المحيط، التي تستقبل عشرات السياح يوميا، ويوجد بها الحديقة الأندلسية، والمتحف، ومقهى شعبي شهير يقدم لزبائنه الشاي والحلويات المغربية التقليدية، ويصنف حي الاوداية القديم، ضمن قائمة التراث العالمي الذي ترعاه منظمة اليونسكو.

 

ويكتسب باب «شالة»، الذي يحمل اسم المدينة الأثرية الرومانية القديمة، شهرته من كونه منفذا إلى الملاح، وهو الحي اليهودي المعروف، الذي ما زالت أزقته الضيقة تحتفظ بأسمائه اليهودية مثل ديفيد، وكوهين.

 

وإلى جانب الدور السكنية الصغيرة، يعد الملاح سوقا تجاريا متخصصا في بيع الأقمشة، إلى جانب الدكاكين الصغيرة التي تعرض مختلف البضائع، ومن أجل ذلك لا تهدأ الحركة في هذا المكان أبدا، وفي جميع الأوقات. إما باب «زعير»، فيقع في القسم الجنوبي من السور الموحدي، واسمه مستمد من قبيلة زعير، وهو منفذ إلى طريق زعير، حيث شيد حي عصري كبير وراق، ويبلغ ارتفاعه 9.71 مترا. ويقع باب «القيادة» على مسافة تبعد نحو 880 مترا جنوب باب «الرواح»، ويبرز عن السور من جهته الغربية بنحو 12.60 مترا. ويعد الباب أحد المداخل إلى القصر الملكي.

 

قد يجهل كثير من الناس تاريخ أبواب مدينتهم، ومن بناها من السلاطين، إلا أن وجودها في قلب المدينة جعل أبواب الرباط وأسوارها، تظل حية بشموخ، وتأبى النسيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى